قالوا

 يعيش الجميع اليوم عصر الثورة المعلوماتية التي تنتشر فيها الأفكار و المعلومات بسرعة و سهولة من و إلى أي بقعة من بقاع العالم، و لكن ما فائدة هذا الكم الهائل من المعلومات في ظل هيمنة رأي واحد و فلسفة واحدة على نوعية هذه المعلومات، و أعني بذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي تعكس بمثل هذه الأفعال حقيقة العالم الذي تمثله و تريد في نفس الوقت.

الأستاذ علي السكري
2017 ينتهي بتسجيل 49 حالة وفاة   |    برنامج التعليم الديني بمنطقة النعيم 3 / 12 / 2017م   |   هل هذا تخصصي؟   |   رايةُ الغريفي   |   انت اختياري   |    رزق الأخ حمزة ميرزا جاسم مرهون بمولوده البكر " علي " 22 / 8 / 2016    |   النعيم يتأهل رسمياً في دورة المراكز الشبابية    |    أفراح عائلة الحاج علي إبراهيم العفو [ حسين ] 26 / 8 / 2016    |    ناصر حبيب العالي يدخل القفص الفضي 22 / 8/ 2016م    |    الحاج عقيل خليل نوح (أبوعلي) على السرير الأببض    |   
 
 الصفحة الرئيسية
 نبذة تاريخية
 أنشطة وفعاليات
 مقالات
 تعازي
 شخصيات
 أخبار الأهالي
 إعلانات
 النعيم الرياضي
 تغطيات صحفية
 ملف خاص
 خدمات الشبكة
 المكتبة الصوتية
 معرض الصور
 البث المباشر
 التقويم الشهري
 أرسل خبراً
 اتصل بنا
 
ملف خاصملف الشيخ أحمد مال الله
 
اللقاء الأخير قبل الرحيل
ابراهيم الماجد - 2006/05/05 - [الزيارات : 4000]

اللقاء الأخير قبل الرحيل

                             


لعل فرادة هذا الحديث تكمن في زاويتين، الأولى: مضمونه الذي يصف بعضاً من خلال سماحة الشيخ الذي فتحنا عيوننا منذ طفولتنا وهو على هذه الحال في خدمة سيد الشهداء (ع)، وفي حضوره المؤثر في مجالسنا بحكمته وبساطته، والثانية: ربما لكونه آخر حديث لسماحة الشيخ (رحمه الله وأسكنه جنته). 
 
إذ رأيت أن أضعه سرداً من دون رتوش لعل به بعض العبر والفكر.
منذ مدة ونحن في اللجنة الثقافية بمسجد أبي رمانة نخطط لزيارة ودية نرد فيها بعض ما أفاض به الشيخ أحمد مال الله علينا نحن أهل دمستان حين عاش بيننا طوال عقد تقريباً من الزمن، إذ استقر به المقام منذ 1986م إلى 1995م على ما أتذكر، وكان حينذاك كأنه أحد أفراد هذه القرية، فمن عادته البساطة، والقدرة على التعامل مع مختلف الشرائح والأعمار، وتودده للكبير والصغير، وليس خافياً طبعاً ما قام به من مسئوليات كبيرة غيرت كثيراً من واقع القرية الثقافي والاجتماعي وحتى الاقتصادي والسياسي.

كنا على موعد مع الشيخ في تمام العاشرة من صباح يوم الجمعة 28 ابريل/ نيسان الماضي، وحين دخلنا عليه في مجلسه وجدناه يتصفح كتاب الغدير (الجزء السابع)، فقام مرحباً بانشراحه المعهود، وغالباً ما كان يقول لي حين يلقاني (حبيبي جاري) على رغم أن الجيرة انقطعت منذ أمد، إلا أن لغة الترحيب التي حكمتها الجيرة واستقرت في داخل النفس بهكذا صفة لم تفارق قلبه ولسانه طوال سنين.

رحب بنا وبدأ يصب الشاي لنا بيده ثم بسط الحديث سريعاً بلا تكلف أو حتى تشاغل، وما لفتني أكثر أنه لا يتصنع حين يستقبل الآخرين، إذ كان لابساً ثوباً وغترة لفها على رأسه كعادة آبائنا بتلك الهيئة البسيطة على خلاف الكثيرين من بني صنعته. ثم استرسل في عبارات الترحيب عائداً بذاكرته وذاكرتنا إلى تلك الكلمات والقصص التي لا تزال تستوقفه أيام دراسته في النجف الأشرف، إذ أفاض في إيضاح تلك الصيغ الترحيبية التي كان يستخدمها العراقيون، وتمنى أن تكون لدينا مثل هذه المفردات في تعاملنا، منها ما يتعلق بالزيارة من غير دعوة، ومنها ما يرتبط بآداب الطعام وفنون المعاملة، وأطايب العشرة والمجاملة، وكان في كل ذلك يسوقها بطريقته الخاصة التي جعلت الحضور يقهقون من الضحك. ثم أشار إلى أن هناك عزماً من قبل الخطباء على إنشاء تجمع للخطباء يحفظ حقوقهم ويشد من أزر ضعيفهم... الخ... من أهداف هي محل نظر وتباحث بين المعنيين. بعد ذلك تطرق إلى ما عليه بعض خطباء اليوم من لحن في كثير من المواضع، إذ أشار إلى ضرورة حفظ متن الأجرومية قبل ارتقاء المنبر فالزمان تغير والمستمعون هم غير أولئك في ذلك الزمان.

استأذنت سماحته وقلت له: سماحة الشيخ تعرف منزلتك عندنا، وهذه الزيارة تأخرت كثيراً فأفضالك وأياديك البيضاء لا تعد ولا تحصى، وهذه الزيارة جاءت لتقديم الشكر والعرفان اليكم على ما أسديتموه من معروف خاص لأهل هذه القرية. فأجاب: ربما تجاوز التلميذ مبتغى أستاذه، أنتم الخير والبركة. أنتم أرض خصبة ينبت فيها الخير. ثم تحدث الاخوة بإطراء بالغ على تلك المشروعات الكبيرة التي تبدأ من تأسيس الشيخ بدعوته المتكررة لصندوق دمستان الخيري، ووضعه اللبنة الأولى لإحياء ليلة القدر، وإقامة صلاة الصبح يومياً، مع تأسيس صلاة الجماعة ظهر الجمعة، ولا تنتهي طبعاً بسعي الشيخ الدؤوب إلى لملمة تلك الجروح والخلافات التي كانت تنشب بين الفينة والأخرى، بمنطقه الحصيف في إقناع المتخاصمين، مع ما يبذله في سبيل ذلك من وقت وجهود كبيرة واضحة للعيان. ثم طرح أحد الاخوان على الشيخ فكرة خامرت أذهاننا منذ فترة ألا وهي تكريم جنابه رداً للجميل واعترافاً بالفضل، مع دعوة الشيخ للصلاة جماعة ليلة السبت من كل أسبوع، فقال الشيخ: أما التكريم فهذا من فضلكم ولم أفعل شيئاً أستحقه، وأما الصلاة فأنا ملتزم بالصلاة ست ليال منها ثلاث ليال في الزنج لم أقطعها منذ خمس وعشرين سنة، ولا فراغ عندي إلا ليلة الثلثاء، ولم أكن لأصلي في مكان لحاجتي إلى بعض الراحة. أما أنكم قد طلبتموها فهي لكم لما أحمله لهذه القرية من حب ومعزة. وبخصوص ليلة القدر فلم تعد قوتي تسمح بذلك، فقد ولى ذلك الزمان الذي كنت أحيي فيه ليلة القدر في المحرق ثم أعود إلى دمستان لأواصل ذلك إلى حد صلاة الصبح، لقد كبرت، عمري الآن 67 سنة وحيويتي لم تعد كما كانت... بعد ذلك تم الاتفاق على أن يجرى التكريم ليلة الجمعة 4 مايو/ أيار الجاري على أن تكون الصلاة بإمامته ثم يبدأ حفل التكريم... وقد رحب سماحته بذلك مقدراً بلطف بالغ...

انتهى الكلام فيما جئنا من أجله ثم جرى الحديث في أمور شتى فكان منها أن التفتُّ إلى ذلك الكتاب الذي خلا من أي اسم بسبب تجليده مستأذنا منه تصفحه، وبادرته مازحاً: ألا تزال يا شيخ تقرأ هذه الكتب الصفراء؟ فرد علي بابتسامة ودودة: «ويش نسوي بعد...» ثم أردف: لا ينبغي أن يخلو بيت من كتابين: الغدير وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.

التفت الشيخ إلى تلك المائدة الممدودة التي حوت صنوف الطعام، وقال: «إذا ما بتاكلون تدفعون قيمته». وهو يسترسل في دعابته التي تموج بها شخصيته كان يصب الشاي بيده للحضور بين الفينة والأخرى في تواضع قل نظيره على رغم وجود أبنائه بين يديه. وحينذاك سأله الشيخ علي الطيار: من أين جاءت كلمة ضيف وما تعني؟ فرد الشيخ ببداهة ­ لما عرف عنه من قوة في النحو والبلاغة ­: الضيف من الإضافة وواضح معنى ذلك لا يحتاج إلى شرح، فقال الشيخ الطيار: أنت الضيف يا شيخ، أما سمعت ما يقول الشاعر:
يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا
نحن الضيوف وأنت رب المنزل
ثم تفرع الحديث وتشتت في كل ناحية... وتصعب لملمته... اللهم إلا نزراً تلقفته ذاكرتي.

ماذا أقول: كنا على موعد معه كل ليلة ثلثاء لنصلي جماعة بإمامته، وقبل ذلك كنا على موعد معه لنرد له ولو بشكل رمزي بعض جمائله وكان هو على موعد آخر... خرجنا من بيته وودعناه بالأحضان كما استقبلنا بقبلات وأحضان دافئة ملؤها الأبوة والمحبة... ونحن ببابه في الخارج نتحدث عن تصميم الإعلان وبعض فقرات الحفل... ثم مضينا لنصبح صباح السبت وقد ارتفعت روحه إلى بارئها، وغادرنا قبل أن نأنس به من جديد بعد سنوات.

رحمك الله يا أبا عبدالأمير فقد والله أفجعت قلوبنا، ورزئنا بك حقاً... لكن لا نقول إلا انك مضيت على هدى من دينك، فحشرك الله مع من تتولى من أهل بيت النبوة وفي مستقرِ دار دعواهم فيها سبحانك اللهمّ وتحيتهم فيها سلام.

إبراهيم الماجد

طباعة : نشر:
 
يرجى كتابة التعليق هنا
الاسم
المدينة
التعليق
من
رمز التأكيد Security Image
 
جميع الحقوق محفوظة لشبكة النعيم الثقافية © 2003 - 2018م